لأن ما حصل قد حصل فالوقوف مع غزة ومع شعب غزة واجب قومي وواجب أخوة والمطلوب هو ليس صخب الشوارع الذي يعرف محركِّوه والذين يقفون وراءه أنه لا يجدي ولا يفيد وأن وظيفته تنفيسية وأنه لا يخدم إلا الأحزاب ، التي تنتظر لحظة كهذه اللحظة للإعلان عن وجودها ، وإلاَّ تجار المواقف الوطنية الذين يمسون ويُصبحون وهم يتضرعون إلى الله أن تقع مصيبة إن في فلسطين وإن في العراق أو في لبنان أو أي مكان آخر حتى يبيعوا بضاعتهم هذه على الناس الطيبين الذين مشاعرهم نبيلة ومواقفهم صادقة وحتى يستعرضوا عضلات ألسنتهم ومقْدرة أوداجهم ولياقة حناجرهم .
إن المطلوب هو ليس هذا الصراخ والصخب الذي بقيت تشاهده شوارع العواصم العربية ، القريبة والبعيدة ، ليس منذ قيام دولة إسرائيل في العام 1948 بل منذ أن وضع المشروع الصهيوني أقدامه في فلسطين وكان مردوده صفراً فالتأوهات لا تنجد شعباً محاصراً ولا تصون قضية ولا تحرر أرضاً محتلة وشتم الأنظمة العربية الرجعية ثبت فشله لأن الفلسطينيين ولأن العرب إكتشفوا أن نار هذه الأنظمة الرجعية أفضل من فردوس الأنظمة الثورية !! .
لو بادرت هذه الأحزاب ، التي وجدت في مأساة غزة وأهل غزة فرصة لتقول : نحن هنا ولتستدر عطف الشارع العربي الذي تهب عليه الرياح العاتية من كل جانب ، إلى جمع تبرعات وأدوية وأموال وأقلام ودفاتر وملابس للأطفال الغزيين الذين هم أطفالنا ولحمنا ودمنا لكان أجدى وأفضل من عربدات الشوارع هذه .
إن غزة بأهلها وأطفالها ونسائها وشيوخها .. وأيضاً بمقاتليها تدفع هذا الثمن الغالي الذي تدفعه لأنها منذ الإنقلاب إياه ، إنقلاب يونيو ( حزيران ) الماضي ، غدت مختطفة وبات أصحاب الصواريخ التي لم يخجل أصحابها من الإعلان عن أنهم حققوا من خلالها توازن الرعب مع إسرائيل يستخدمون مأساتها كسلِّم لتطلعاتهم الزعامية والمهم أن يتلقوا إتصالاً هاتفياً من محمود أحمدي نجاد يطبطب من خلاله على أكتافهم والمهم هو إحراج محمود عباس ومنظمته وسلطته والمهم هو أن تقتنع إسرائيل بأنها إذا أرادت التفاوض فإن العنوان ليس رام الله بل حيث يقيم الممسك بقرار إطلاق هذه الصواريخ.
عندما ترفض حركة حماس مبادرة السلام العربية وتعتبرها خيانة ما بعدها خيانة وعندما تربط نفسها بالحلف الإقليمي إياه وعلى حساب العرب وعندما تقوم بالإنقلاب الذي قامت به وعندما لم تستمع إلى نصائح المخلصين والصادقين وتواصل هذه الألاعيب النارية التي إسمها صواريخ القسام ، التي لم يعد خافياً أن الإسرائيليين ينتظرون كل رشقة منها على أحرِّ من الجمر ليصفوا خلافاتهم الداخلية ، فإنه عليها ألا تحاول إلقاء المسؤولية على الذين لم تستشرهم في كل ما فعلته وما تفعله وعلى الذين رفضت مبادرتهم ، أي مبادرة السلام العربية ، وقالت فيها أكثر مما قاله مالك في الخمر !! .
مخطىءٌ جداً خالد مشعل إن هو ظن أنه من خلال إغراق غزة بالظلام والموت والقتل قادر على فرض أجندته وأجندة حلفائه الإقليميين على الدول العربية القريبة والبعيدة فسياسة التوريط التي لعبها في وقت من الأوقات بعض الذين سبقوه أثبتت فشلها وكان ياسر عرفات ، رحمه الله ، قد حوصر في بيروت في العام 1982 لثلاثة شهور حصاراً أكثر فتكاً من حصار غزة وكان قد حوصر في طرابلس في العام 1983 حصاراً شاركت فيه جهات عربية ومنظمات فلسطينية وكانت العاصمة اللبنانية في تلك الفترة قد غرقت في ظلامٍ أكثر دماساً من الظلام الذي تغرق فيه غزة الآن لكن ومع ذلك فإن مجرى الأحداث العام بقي مستمراً ولم يستطع أبو عمار فرض أجندته حتى ولو على دولة عربية واحدة